جان لوئيس بوركهارت
379
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
فقد اختلف الريس والربان على الجهة التي يقع فيها الشمال بالضبط . وأقبل المساء فاشتدت الريح ، واستبدل الملاحون بالشراع الكبير شراعا أصغر منه . وأرخى الليل علينا سدوله فكان بريق الماء حين بهتز يثير دهشة الزنوج وعجبهم ، وعبثا حاولوا فهم علة هذه الظاهرة من البحارة . وأنفقنا ليلة باردة مضنية ، فقد أعوزنا المكان الكافي للنوم ، وبدا على جوّابى الصحراء الشجعان شدة الخوف والفزع في عرض البحر ، فكان ذلك مبعث تسلية للسواكنية . 16 يوليو - طالعنا في الصباح الباكر ساحل بلاد العرب ، واتضح الآن جهل الربّان ، فبدل أن نجد أنفسنا تجاه ساحل جدة - حيث كان ينبغي لو أنه استرشد بإبرة الملاحين في سيره - وجدنا أنفسنا جنوبها بخمسين ميلا على الأقل . ودخلنا خليجا صغيرا والريح تملأ شراعنا ، وكاد يغرقنا إعصار هب آنئذ . ووجدنا الشاطئ بلقعا لا آبار فيه ولا عيون إلى مسافة كبيرة ، ولم نر فيه أثرا للبدو . واشتد كربنا لقلة الماء ؛ فقد أوشك أن يفرغ ما أخذناه منه أخيرا في عراقية ، ولم يبق في قرب التكارنة قطرة . وكانت الريح معاكسة ولا أمل لنا في بلوغ جدة في أقل من يومين . وفي المساء ترك أكثر التكارنة السفينة قاصدين جدة سيرا على الأقدام ، فقد أوهمهم البحارة أنها أقرب كثيرا مما كانت ، وأشاروا لهم على جبل يبعد عن مرسانا اثنى عشر ميلا قائلين إن به عين ماء . ولكن الجبل - كما علمت فيما بعد - خلو من العيون ، ولم يكن هدف البحارة من هذا التضليل إلا التخلص من الحجاج خشية أن يكرههم العطش آخر الأمر على أخذ ماء البحارة غصبا « * » . وقلّ أن تصل جدة سفن حجيج سواكنية لم يقاس فيها الركاب عذاب الظمأ ، فهم يحشدون فيها حشدا يستحيل عليهم معه أن يأخذوا من الماء أكثر من زاد أيام ثلاثة ما لم يضحوا بغيره من أسباب الراحة ، وهي تضحية لا يرتضونها . وجبل مكور الذي تقلع منه السفن عابرة للبر الغربى لا ماء
--> ( * ) قضى هؤلاء التكارنة البائسون يومين ونصفا قبل أن يبلغوا جدة ، ومات منهم في الطريق ظمأ امرأة وغلام ، ووصل الباقون في حالة من الإعياء يرثى لها ، وقد شكوا من كذب البحارة مر الشكوى .